‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوى الدار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوى الدار. إظهار كافة الرسائل

الفتوحات الإسلامية.. حقائق وشبهات

الفتوحات الإسلامية.. حقائق وشبهات(بقلم الدكتور يوسف القرضاوي)

تلقى فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي - رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين - استفساراً من أحد القراءيقول فيه: يتساءل كثير من الناس في ريبة: ما سبب الفتوحات الإسلامية التي تمت في عصر قوة الإسلام؟ أليست هذه نوعا من الاحتلال؟ ألم تكن قهرا للشعوب على الدخول في الإسلام تحت حد السيف؟.وقد أجاب فضيلته على السائل بقوله: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:فالذي أراه ويراه المحققون المتدبرون للتاريخ، الذين يقرؤونه قراءة صحيحة غير سطحية ولا معتسفة: أن هذه الفتوح كان لها أهداف عدة:1-أنها أرادت كسر شوكة السلطات الطاغية والمتجبرة، التي كانت تحكم تلك البلاد، وتحول بين شعوبها وبين الاستماع إلى كلمة الإسلام، دعوة القرآن، التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتريد أن يبقى الناس على دينها ومذهبها، ولا يفكر أحد في اعتناق دين آخر، ما لم يأذن له كسرى أو قيصر، أو الملك أو الأمير. وهو ما عبر عنه القرآن على لسان فرعون قديما حينما أسلم سحرته، وأمنوا برب موسى وهارون (قال: آمنتم له قبل أن آذن لكم... فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف لأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)هذا كان حكم الأكاسرة والقياصرة والملوك في ذلك الزمن: حاجزا حصينا دون وصول الدعوة العالمية إليهم. ولهذا حينما بعث رسول الإسلام برسائله إلى هؤلاء الأباطرة والملوك، يدعوهم إلى الإسلام: حملهم – إذا لم يستجيبوا للدعوة - إثم رعيتهم معهم. فقال لكسرى: "فإن لم تسلم فعليك إثم المجوس" وقال لقيصر: "فعليك إثم الإريسيين" وقال للمقوقس في مصر "فعليك إثم القبط". وهذا يؤكد المثل السائر في تلك الأزمان: الناس على دين ملوكهم. فأراد الإسلام أن يرد الأمور إلى نصابها، ويعيد للشعوب اعتبارها واختيارها، فلا يختارون هم بأنفسهم لأنفسهم. ولا سيما في هذه القضية الأساسية المصيرية، التي هي أعظم قضايا الوجود على الإطلاق: قضية دين الإنسان، الذي يحدد هويته، ويحدد غايته، ويحدد مصيره.ومن هنا كانت الحرب الموجهة إلى هؤلاء الملوك والأباطرة، لهدف واضح، هو (إزالة الحواجز) أمام الدعوة الجديدة، حتى تصل إلى الشعوب وصولا مباشرة، وتتعامل معها بحرية واختيار، لمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيا عن بينة. دون خوف من جبار يقتلهم أو يصلبهم في جذوع النخل.2- حرب وقائية لحماية الدولة الإسلامية:وهناك هدف آخر، مكمل لهذا الهدف، وهو أن هذه الدولة الوليدة الفتية التي أقامها الإسلام في المدينة، هي دولة عقيدة وفكرة، دولة شريعة ورسالة، وليست مجرد سلطة حاكمة، فهي بتعبير العصر (دولة أيديولوجية) تحمل دعوة عالمية، للبشر جميعا، وهي مأمورة بتبليغ هذه الدعوة، التي تمثل رحمة الله للعالمين، ومن شأن هذه الدولة أن تقاوم وتحارب من قبل القوى المتسلطة في الأرض، التي نرى في رسالة هذه الدولة ومبادئها خطر عليها. فإذا لم نحاربها اليوم، فلا بد أن نحاربها غدا، كما علمتنا تجارب التاريخ، وكما تقتضيه سنن الله تعالى في الكون والمجتمع.ولهذا كانت هذه الحروب: نوعا مما يسمى الآن (الحرب الوقائية) حماية للدولة من المخاوف والأطماع المتوقعة من جيران يخالفونها في الأيديولوجية ويناقضونها في المصالح، ويعتبرونها مصدر قلق لهم، بل خطر عليهم.3- حروب تحرير للشعوب المستضعفة:وإلى جوار هذين الهدفين الواضحين: يتبين لنا أن هناك هدفا آخر لهذه الحروب أو الفتوح، ولا يخفى على دارس يعرف ما كان عليه العالم قبل الإسلام.هذا الهدف هو تحرير شعوب المنطقة من ظلم الحكام الذين سلطوا عليها فترة من الزمن، فقد كان العالم في الجاهلية تتنازعه دولتان عظيمتان: دولة الفرس في الشرق ودولة الروم في الغرب، أشبه بما عرفناه وعايشناه في عصرنا من دولة الروس، ودولة الأمريكان، أيام الحرب الباردة بين الطرفين.وقد سيطرت كل منهما على بعض البلاد، واتسعت رقعة تلك الدولة حينا على حساب الآخر، وانحسرت حينا آخر، كما نص القرآن علينا ذلك في أوائل (سورة الروم) : (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وكانت دولة الفرس تملك بعض ديار العرب في العراق، وكانت الروم تملك بلادا أخرى في الشام، كما تملك مصر وغيرها في شمال أفريقيا.وكان هذا لونا من ألوان الاستعمار المتسلط المستكبر في الأرض بغير الحق، وكان على الإسلام مهمة -باعتباره رسالة تحرير للعالم من عبودية البشر للبشر- أن يقوم بدور في إنقاذ هذه الشعوب.وقد رأينا رسالة نبي الإسلام إلى قيصر والمقوقس وغيرها تختم بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) فهذه الدعوة عامة إلى التحرير.وكان لا بد من مساعدة هذه الشعوب على التحرر من هذا المستعمر الغريب عنها، وهذا ما جعل هرقل يقول بعد دخول جيوش المسلمين إلى الشام: سلام عليك يا سوريا، سلام لا لقاء بعده..وقد كان الروم يعتبرون مصر بقرة حلوبا لهم، يحلبون ضرعها، وإن لم ترضع أولادها، ولهذا رحب الشعب المصري بالفاتحين الجدد، وفتح لهم صدره، وذراعية، واستطاع المسلمون بثمانية آلاف جندي فقط أن يفتحوا مصر، ويحرروها من سلطان الروم إلى الأبد.السيف لا يفتح قلبا:ونقول لأصحاب دعوى انتشار الإسلام بالسيف: إن السيف يمكنه أن يفتح أرضا، ويحتل بلدا، ولكن لا يمكنه أن يفتح قلبا. ففتح القلوب وإزالة أقفالها: تحتاج إلى عمل آخر، من إقناع العقل، واستمالة العواطف، والتأثير النفسي في الإنسان.بل أستطيع أن أقول: أن السيف المسلط على رقبة الإنسان، كثيرا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف. فالإنسان مجبول على النفور ممن يقهره ويذله.ومن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره: يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس وبين الدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، بعيدا عن صليل السيوف، وقعقة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم: ما يحبب الناس إليهم، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل.وانظر إلى بلد كمصر، وقد فتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، ولكن ظل الناس على دينهم النصراني عشرات السنين، لا يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد. حتى أن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر، واقتص لابنه من ابن والي مصر: عمرو بن العاص، لم يدخل في الإسلام، رغم ما شاهد من عدالة ما يبهر الأبصار.والله أعلم.

Continue Reading...

التخلف عن الجمعة خوفا من أنفلونزا الخنازير


أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الاستعداد القصوى وأن العالم قد دخل مرحلة الوباء

التفاصيل

Continue Reading...

سمات الجيل الذي سيحرر القدس


س : أستاذنا سماحة الدكتور محمود: أنا طالبة أود أن أسألكم عن سمات وصفات جيل القدس: أي الجيل الذي سيأخذ على عاتقه تحرير بيت المقدس، وسيحقق ذلك بفضل الله ولكم الشكر الجزيل.


يجيب .. أ.د.محمود عكام


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
جيل القدس هو الجيل الذي يجب أن ننشده في كل وقت وحين وليس -في رأيي- هناك جيل للقدس وجيل لمكة وجيل للمدينة, بل المطلوب هو الجيل الذي يستحق بجدارة أن ينسب للقرآن الكريم وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم للأول على أنه أهله، وللثاني على أنه تابعه ومؤتمن به.

وسمات هذا الجيل المنشود:
1- عادل: ولا يجرمنه شنآن قومٍ على أن لا يعدل، يعرف ما له وما عليه، ويجهد في أن يعطي كل ذي حق حقه مَنْ كان هذا الذي هو صاحب هذا الحق عدو أو صديق قريب أو بعيد.

2- عالم: أي يسعى لإقامة سلوكه كله على أساس علمي رصين في كل المجالات والصعد والمستويات.

3- رحيم: والرحمة عطاء نافع برفق، فإن لم يكن كذلك أي يعطي لمن حوله ولما حوله عطاء نافعاً وبرفق فهو غير صالح لوراثة الأرض.

4- شجاع: وأول ما يجب أن تتجلى هذه السمة في شجاعة الإنسان على نفسه: فيعترف بالخطأ ويقر بالفشل إذا حفَّ به ويسرع لقبول الحق إذا لاحت بوارقه على لسان غيره الذي ربما كان عدوه وهكذا، وبعد ذلك تكون الشجاعة حيال الآخر فتتجلى بالدفع بالتي هي أحسن ما استطاع ثم تأتي مرحلة الرد بالقوة بمثل ما اعتدي عليه دون تجاوز ولو قيد أنملة.

5- مخلص: والإخلاص يعني إهمال الناس في الغايات، وقصد الله في النيات. ولعل في ما قاله سيدنا علي غنية في مثل هذه القضية: "لا ترضِ الناس بسخط الله, فإن في الله خلفاً من الناس وليس في الناس خلف من الله" لك شكري أيتها الأخت، والله يتولاك ويرعاك
والله أعلم.
Continue Reading...

انفلونزا الخنازير : قضايا وأحكام


السؤال : فضيلة الشيخ لعلكم سمعتم عن هذه المشكلة التي يتحدث الناس عنها الآن وهي مشكلة انفلونزا الخنازير فما رأي الشرع فيها وهل ما تفعله الحكومة الآن جائز ؟

يجيب عن هذا السؤال فضيلة الدكتور رجب أبو مليح

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه
انتشر الذعر في أوساط الناس جميعا بسبب انفلونزا الخنازير، وهذه حلقة من سلسة الأمراض التي منيت بها الإنسانية في هذا الزمان، بعد أن حسبت أنها قادرة على كل شيء، فبإمكانها قهر المرض والفقر والمناخ، وغير ذلك بسبب النهضة العلمية التي أحدثت طفرة كبيرة في كافة مناحي الحياة.
فتارة نرى سيولا وأعاصير لا طاقة للبشر في دفعها، ولا حيلة لهم في التصدي لها، فيقفوا عاجزين بعد أن تدمر كل شيء بأمر ربها ، ولا تملك أعتى الدول وأكثرها سلطانا، وأقواها بأسا، أن تفعل شيئا.
وتارة نرى أزمة مالية تأكل الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنسل، ولا يقوى أحد على تفسيرها والوقوف على أسبابها بشكل يقيني فضلا عن إيجاد الحلول المناسبة للخروج منها.
وثالثة الأسافي ـ ونسأل الله أن تكون الأخيرة ـ ما يعرف (بأنفلونزا) الخنازير ونسأل الله أن يرفع البلاء والضراء عن الناس أجمعين .
والسؤال المطروح الآن ماذا تفعل الحكومات والأفراد والهيئات والمجتمعات تجاه هذه الكارثة؟.
ونستطيع أن نقول إن هذه مسئولية مشتركة لا بد أن تتضافر فيها الجهود وتتعاون وتتكامل، ويقوم كل فرد فيها بدوره، فللمجتمع دور لا يمكن للحكومات أن تقوم به بمفردها، وللحكومات دور لا يمكن للأفراد القيام به، وعلى الأفراد مسئولية لا يمكن إغفالها .
وكل إنسان راع ومسئول عن رعيته.
وسنتناول هنا بإيجاز الأحكام الفقهية التي تترتب على هذا :
أولا: قتل الخنازير سواء أكانت مصابة أم خوفا من المرض.
لا يشك عاقل أن الضرر يزال، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ضرر ولا ضرار، ولنهي الله تعالى عن إلقاء الأيدي للتهلكة، يقول الله تعالى(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) -البقرة : 195-
ونهيه عن قتل النفس (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) -النساء : 29-
فقتل الخنزير إن كان يحمل هذا الفيرس، أو لا يحمله ولكنه يخشى من إصابته في المستقبل، هذه الإصابة التي تنتقل من إنسان إلى إنسان، ولا يعرف لها علاج حتى الآن، هذا القتل جائز، ولا نبالغ إن قلنا إنه واجب، حيث يترتب عليه حفظ النفس، وحفظ النفس من مقاصد الشريعة الإسلامية العظمى، وحفظها مقدم على حفظ المال في حالة ما اعتبرنا الخنزير مالا متقوما معترفا به في الشريعة الإسلامية وهذا لا يكون إلا في حالة تملك أهل الكتاب للخنزير.
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويدفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، وتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
ونظرية الضرر نظرية من النظريات الفقهية الضخمة، وهي نظرية مكتملة الأركان تقوم على أسس ثلاثة:
الأساس الأول: منع الضرر
وهو يقوم في الأصل على أخذ كافة التدابير والاحتياطات لمنع وقوع الضرر، وهو في حالتنا الآن قتل هذا الحيوان الذي ربما يكون سببا في وباء يقضي على الأخضر واليابس، بالإضافة لتوعية المجتمع حتى يساعد الحكومات كي تقوم بواجبها تجاه تأمين الشعوب من هذه الأخطار، وتوعيتهم بطرق الوقاية ـ إن كانت متاحة ـ، وعدم السكوت عن محاولات الالتفاف على القانون، والتفلت منه حفاظا على المال في مقابل هدم الإنسان نفسه .
الأساس الثاني: دفع الضرر
وهذا الأساس يعمل عند وقوع الضرر فعلينا ببذل أقصى الجهد لدفع هذا الضرر، ومحاولة الحيلولة بينه وبين أن يحدث آثاره، وهو في حالتنا هذه القيام بالتخلص الفوري والآمن من الحيوان الذي يحمل العدوى ، وتوفير سبل الوقاية من انتقال المرض سواء من الحيوان للإنسان أو من إنسان إلى إنسان آخر، ونشر الوعي بين الناس لتجنب الإصابة وانتقال العدوى لا قدر الله .
الأساس الثالث: رفع الضرر
وهذا يحدث ـ لا قدر الله ـ إن وقع المحذور بعد إعمال جانب المنع والدفع ووقوع المحذور بعد ذلك ويعمل هذا على رفع الضرر بالقدر المستطاع وترميم آثاره حتى لا يلازم الناس طوال حياتهم.
وبناء على ما تقدم نرى أنه من حق الحكومات القيام بواجبها تجاه حماية الناس من هذا الوباء.
ثانيا: تعويض المتضررين من قتل هذه الحيوانات
هذه الحيوانات إما أن تكون مملوكة للمسلمين، أو لغير المسلمين، فإن كانت لمسلمين فهي أموال غير متقومة ، ومعنى ذلك أن الشريعة لا تعترف بمالية هذه الأشياء؛ لأنها محرمة لذاتها مثل الخمر والخنزير وغيرها، ومن ثم فالمسلم الذي يربي الخنزير آثم، ومخالف لأحكام الشريعة الإسلامية؛ سواء أكان يربيها من أجل أكلها أو بيعها، أو غير ذلك ، فالخنزير مجمع على تحريم أكله وحرمة الانتفاع بثمنه ما دام في صورته الأولية دون أن يحدث له تحول كميائي.
وبالتالي يحرم على المسلم ديانة، ويجرم قضاء تربية الخنازير ، ولا يجوز للدولة المسلمة بحكم الدستور والقانون أن تعوض المسلمين الذي يمتلكون هذه الخنازير، بل لها الحق في عقوبتهم العقوبة المناسبة حيث إنهم منتهكون لحرمة الشرع، ومجاهرون بالمعصية، وعلى الحاكم تعزيرهم بالعقوبة المناسبة.
ولكن يثار هنا سؤال هام: ماذا عن فقراء المسلمين الذين سُمح لهم في غيبة من أحكام الشريعة الإسلامية بتربية الخنازير، وما نشأت حولها من أعمال على هامش هذه التجارة المحرمة ؟؟
كيف يصنع هؤلاء وقد رتبوا أوضاعهم ونفقات أولادهم على هذا الكسب الحرام ؟
والجواب ـ من وجهة نظري ـ أن على الحكومة أن تكقل هؤلاء إن كانوا فقراء بتوفير عمل مناسب لهم، واستبدال هذه الأعمال المحرمة بغيرها من الأعمال الجائزة، وتوفير عمل شريف لهم، لكنها لا تدفع تعويضا ماليا محددا على مال لا تعترف الشريعة الإسلامية بقيمته، ولا تدفع للأغنياء منهم، لأن هذه إعانة من الحكومة وليست تعويضا للضرر، ولا ترتبط الإعانة بما أتلفته من الخنازير، ولكنها ترتبط بحاجة الفقير، لأن الحكومة مسئولة عن رعاياها على أية حال .
أما إن كانت مملوكة لغير المسلمين، وأجازت لهم الدولة تربيتها بالضوابط الشرعية لهذه التربية، بحيث لا يبيعونها إلا لغير المسلمين، واستخراج التصاريح اللازمة قانونا لتربية مثل هذه الأشياء فعلى الحكومة تعويضهم تعويضا ماليا مناسبا، حيث إن هذه الأموال متقومة بحكم الشريعة الإسلامية.
ثالثا: تبقى عدة أحكام خاصة بعزل المريض عزلا تاما، وعدم اختلاطه بالناس سواء في بيته، أو في المسجد، أو السوق أو غير ذلك، وهذا كله واجب الفرد وواجب المجتمع إعمالا لمقاصد الشرع في حفظ الأبدان ، وإعمالا لقواعد الضرر في الشريعة الإسلامية.والله أعلم.
Continue Reading...

هل المرأة شر لا بد منه ؟


جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله: " المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها " فما تفسيركم لهذا القول ؟ وهل هذا يمثل موقف الإسلام من المرأة . أرجو الإيضاح والبيان وشكرًا


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي - حفظه الله-:
هناك حقيقتان يجب أن نقررهما بوضوح وجلاء.
الأولى: أن الذي يمثل رأي الإسلام في قضية ما، إنما هو قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وكل أحد بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويترك، فالقرآن الكريم وصحيح السنة النبوية هما وحدهما المصدران المعصومان، إنما يأتي الخلل من سوء الفهم لهما أو لأحدهما.
الثانية: أن من المعروف لدى النقاد والمحققين أن نسبة بعض ما في " نهج البلاغة " إلى علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، غير صحيحة، ولهم على ذلك دلائل وبراهين . ولا شك أن في " النهج " خطبًا وأقوالاً يلمس الناقد بل القارئ الواعي، أنها لا تمثل عصر الإمام في أفكارها، ولا في أسلوبها.
ومن هنا لا يجوز الاحتجاج بكل ما في " النهج " على اعتبار أنه من أقواله رضي الله عنه.

على أن المقرر في العلوم الإسلامية أن نسبة الأقوال إلى قائليها، لا تتحقق إلا بالإسناد الصحيح المتصل، الخالي من الشذوذ والعلة، فليت شعري، أين السند المتصل إلى الإمام علي، حتى نحكم على أساسه أنه قال هذا القول ؟.
بل لو نقل هذا القول عن علي بسند صحيح متصل، من رواة عدول ضابطين لوجب أن يرد، لما فيه من مخالفة للأصول والنصوص الإسلامية، وهذه علة قادحة توجب رد أي قول، ولو كان إسناده كالشمس.
وكيف يقول علي بن أبي طالب هذا القول، وهو يقرأ كتاب الله الذي يقرر مساواة المرأة للرجل في أصل الخلق، وفي التكاليف، وفي الجزاء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ
بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (سورة النساء: 1)، (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (سورة: الأحزاب: 35) . .
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (سورة آل عمران: 195)
ويقول في شأن الزوجات: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) (سورة البقرة: 187) . ويقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة الروم: 21)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إنما النساء شقائق للرجال " . ويقول: " الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة " (رواه مسلم والنسائي وابن ماجة) . ويقول: " من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح ". (رواه أحمد بإسناد صحيح).

ويقول: " من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي ". (رواه الطبراني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد)
ويقول: " أربع من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة " ويذكر منها " زوجة صالحة لا تبغيه حوبًا في نفسها وماله ". (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحدهما جيد، كما في " الترغيب " للمنذري).

ويقول عن نفسه: " حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
فكيف يخالف علي رضي الله عنه هذا كله وغيره، ويطلق القول: إن المرأة شر كلها ؟ !
ونستطيع - لو صح هذا القول عن علي - أن نسأله: ما قولك في زوجك، وأم ولديك السبطين الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة، أعني فاطمة سيدة النساء رضي الله عنها ؟ هل يقبل الإمام علي أو يقبل المسلمون منه أن يقول عنها: أنها شر كلها ؟ !.

إن فطرة المرأة ليست مخالفة لفطرة الرجل، فكلتاهما تقبل الخير والشر، والهدى والضلال، كما قال تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها). (سورة الشمس: 7 – 10)
وكيف يتصور أن تكون المرأة شرًا كلها، ومع هذا لا يكون منها بد ؟ كيف يخلق الله شرًا مطلقًا، ثم يسوق الناس إليه سوقًا بسوط الحاجة والضرورة ؟
بل المتأمل في الكون كله يجد أن الخير فيه هو الأصل والقاعدة، وما يتراءى لنا من شر فهو جزئي ونسبي، ومغمور في الخير الكلي العام المطلق، وهو في الواقع لازم من لوازم الخير، ولهذا كان من مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه: " والشر ليس إليك " وفي القرآن الكريم (بيدك الخير إنك على كل شيء قدير). (سورة آل عمران: 26).

بقي هنا سؤال عن نقطة ورد بها الحديث، وهي التحذير من فتنة النساء مثل قوله صلى الله عليه وسلم " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ". (رواه البخاري).
وأقول: إن التحذير من الافتتان بشيء، لا يعني أنه شر كله، وإنما يعني أن لهذا الشيء تأثيرًا قويًا على الإنسان يخشى أن يشغله عن الله والآخرة.

ومن هنا حذر الله من الفتنة بالأموال والأولاد في أكثر من آية في كتاب الله، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (سورة التغابن: 15) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). (سورة المنافقون: 9)

هذا مع تسميته سبحانه المال " خيرًا " في عدة آيات من القرآن، ومع اعتباره الأولاد نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ) (سورة الشورى: 49) . . وامتنانه على عباده بأن منحهم الأولاد والأحفاد، كما رزقهم من الطيبات: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ). (سورة النحل: 72).

فالتحذير من فتنة النساء كالتحذير من فتنة الأموال والأولاد، ولا يعني أن هذه النعم شر، وشر كلها ! بل يحذر من شدة التعلق بها إلى حد الافتتان، والانشغال عن ذكر الله.
ولا ينكر أحد أن أكثر الرجال يضعفون أمام سحر المرأة وجاذبيتها وفتنتها، وخصوصًا إذا قصدت إلى الإثارة والإغراء، فإن كيدها أعظم من كيد الرجال.

ومن ثم لزم تنبيه الرجال إلى هذا الخطر، حتى لا يندفعوا وراء غرائزهم، ودوافعهم الجنسية العاتية.
وفي عصرنا نجد أن فتنة المرأة بلغت حدًا فاق كل العصور السابقة، وخيالات أهلها، وأصبح الهدامون يتخذون منها معولاً لهدم الفضائل والقيم المتوارثة، باسم التطور والتقدم.
والواجب على المرأة المسلمة أن تتنبه لهذه المؤامرات، وأن تربأ بنفسها أن تتخذ أداة هدم في أيدي القوى المعادية للإسلام، وأن تعود إلى ما كانت عليه نساء الأمة في خير قرونها: البنت المهذبة، والزوجة الصالحة، والأم الفاضلة، والإنسانة الخيرة العاملة لخير دينها وأمتها، وبذلك تفوز بالحسنيين، وتسعد في الدارين.
والله أعلم

Continue Reading...

لماذا لا ينقذ الله أهل غزة؟


السؤال :


أيها الإخوة : اسمحوا لي وليغفر لي الله أن أسأل هذا السؤال : أين الله مما يحدث لإخواننا في غزة، لماذا لا ينصر عباده المستضعفين على اليهود المعتدين؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد أجاب الله سبحانه وتعالى عن هذا السؤال في كتابه الكريم الخالد حتى لا يترك الظنون تلعب بنا فقال ( ......وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد : 4]
فالله لم ينتصر لكي يختبرنا نحن، هل سنقوم بالدور المطلوب منا تجاههم أم لا؛ لأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .

يقول الشيخ حامد العطار- عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين-

أمام هذه المشاهد المأساوية التي تنقلها الشاشات لما يحدث للمسلمين في غزة على يد الصهاينة المعتدين، أمام هذه المجازر البشرية وشلالات الدماء المتجددة والأشلاء المتناثرة،أمام أنات الأطفال وآهات المثخنين بالجراحات القاتلة، أمام أيادي الأطفال الضارعة التي تستصرخ العالم وتستنقذ البشر دون مجيب،أمام الهدم والتدمير والقتل والتنكيل، أمام عجز الأب بين أولاده والكبير بين أتباعه،أمام القلوب التي تنخلع من هول الصدمة، والأضلاع التي تختلف من بطش الهجمة، أمام الأشلاء المطموسة التي لم يتبق فيها من معالم سوى أنها ركام بشرية....أمام هذه الأهوال والطوام يتسلل السؤال إلى النفوس : أين الله الكبير المتعال؟ لماذا لا ينزل الله جنوده على هذه الفئة الباغية تتخطفهم من الأرض؟ لماذا لا يهلكهم كما أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى أو وَثَمُودَ لما أخذهم فَمَا أَبْقَى، أو قوم نوح لما غرقهم تغريقا أوالْمُؤْتَفِكَةَ حينما أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى.

والمفاجأة أن الله تعالى لم يترك هذا السؤال دون جواب، بحيث يحاول أحد من خلقه مهما علا علمه أن يتلمس إجابته!! فماذا قال الله؟

قال الله جلت حكمته : "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد : 4].

يأمر الله بقتال الكافرين في موطن القتال، ويبين لهم أنه لو شاء لانتصر هو بنفسه منهم دون حاجة لأمر المسلمين بقتالهم" ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ" غير أن هذا لن يكون، نعم إنه لم يشأ ذلك ولم يرده، وذلك معنى قوله تعالى " وَلَكِنْ" أي ولكن لم يشأ أن ينتصر منهم بنفسه، بل شاء أن يكلفكم أنتم بقتالهم، لماذا؟"لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ" أي ليختبر المؤمنين بالكافرين، ليختبر مدى إيمانهم حينما يقابل ببطش وشدة الكافرين، فعند الابتلاء تظهر الحقائق، وتتضح الخفايا ، وتسجل المواقف، ورحم الله الفضيل بن عياض لما سمع قول الله تعالى " ونبلو أخباركم" بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.

ما أسهل أن يدعي الإنسان أنه مؤمن مستعد للتضحية عن دينه ومقدساته بالنفس والمال، بل ربما ظن الإنسان أنه قادر بالفعل على ذلك فهل يحاسب الله الناس على مجرد ظنونهم وأقوالهم؟ أم يقيم لهم اختبارا يظهر فيه الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق؟ حتى يكون الحساب والجزاء على المواقف والأعمال؟ صحيح أن الله يعلم مواقف كل شخص قبل ظهورها، ولكن بأي شيء يقيم الحجة على عباده؟ألم يخبرنا الله أن الإنسان يوم القيامة سيرد شهادة الملائكة على مواقفه ويصر على أن لا يشهد عليه أحد سوى نفسه، بل ويشتد في افتراء فيحلف كذبا بين يدي الله أنه بريء من الأعمال التي سجلت عليه ، وذلك قوله تعالى:"يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [المجادلة : 18] حتى تشهد عليه أعضاؤهم" يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) [النور : 24] وذلك مثل عود القصب هل يمكن الإنسان أن يعلم حلاوته من مرارته إلا بذوقه، فهذا التذوق هو الابتلاء!!

إذن فهذه الحرب الدائرة على إخواننا بغزة- وما قبلها من حروب وما سيعقبها- لا تحدث إلا بإرادة الله تعالى ، سوق كبير للاختبار ، تسجل فيه المواقف وتظهر فيه الأعمال، فالمسلم لا يمكن أن يدخل الجنة بالمجان وإلا لدخلها كل الناس، بل لا بد من تقديم النفس والمال" إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111]

لقد أرسل الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وسط تحديات كبرى، فالمال والسلطان في يد عدوهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه بلا مال أو سلطان، حتى تضرع رسول الله إلى ربه قائلا : ""اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟" فلماذا لم يبعثه ربه في زمن ليس فيه أبو جهل وأبو لهب؟ لماذا لم يبعثه ومعه المال والسلطان؟ أم لماذا لم يبعثه في المدينة دون الحاجة للاضطهاد والهجرة؟ الجواب وبماذا إذن يدخل الجنة؟ الجنة ليست بالمجان.

لقد أرسل الله تعالى موسى وهارون – عليهما السلام- إلى فرعون فقال : " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه : 43 - 46] " نعم يمكن أن يحيطهما الله بكنفه ورعايته أثناء المهمة الصعبة، لكن غير ممكن أن يعفيهما منها وإلا فعلام يدخلان الجنة.

صحيح أن هذا الابتلاء، قد يعقبه قتل وتنكيل بالمسلمين،فيأتي الجواب : " وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد :4) أما من يموت فلن يخسر شيئا، ولن يضيع شيء من عمله، بل ولا من آماله الكبار، فما هي إلا خروج الروح ليعقبها استقرار في الجنة حيث النعيم الباقي، الذي لا يزول ولا يحول.

وياله من اختبار يتكشف معه الأشخاص والقيم والهيئات، فيظهر العدو من الصديق والبعيد من القريب، والولي من اللدود.

تكشفت معه مواقف الحكام والرؤساء، والعلماء والدعاة، والحركات والهيئات!! ظهر هذا فسجله الله على أصحابه ويوم القيامة يقاضيهم بما سجله عليهم من أعمالهم . وهو تكشف مفيد للناس، فعرفوا مواطن النصرة ومواطن الهزيمة، فلربما كانوا يظنون في أحد الرموز أو الهيئات أنه الناصر المعين فإذا به الخائن الذليل فيتلمسون النصرة في موضعها الصحيح.

تكشف للناس حجم مجلس الأمن والأمم المتحدة، والمواثيق الدولية والقوانين الدولية والاتفاقات الأممية، وهل هي مؤسسات محايدة تنصف المظلوم وتأخذ على يد الظالم أم أنها مؤسسات صادرتها بعض الدول لصالحها.

والله أعلم.
Continue Reading...

حكم الإضرابات السلمية


يسأل عبدالله من مصر فيقول :
فضيلة الشيخ لعلكم قرأتم ما تردد في الفترة الماضية من فتاوى حرمت الإضرابات السلمية واتهمت من يفعلها بالخروج على الحاكم أو أنه من الخوارج المفسدون فما رأيكم في هذا الكلام وشكرا .
يجيب د. رجب أبومليح دكتور فى الشريعة الإسلامية :
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.. في الواقع كانت هذه الفتاوى مضحكة تنم عن عدم إدراك المفتي ـ إن أحسنا به الظن ـ للواقع وهو شرط مهم من شروط المفتي أن يدرك المفتي الواقع الذي يعيشه ، ويعرف أن هذه الإضرابات السلمية قد نظمها القانون والدستور وأن غيرنا من غير المسلمين قطعوا شوطا كبيرا في هذا الجانب تجاوز الوقوف عند حد الجواز وعدم الجواز إلى إنشاء المؤسسات التي تقف بجوار الطبقات الضعيفة في المجتمع وتأتي لها بكافة حقوقها كاملة غير منقوصة دون أن تلجئها للإضراب أصلا . وإذا أردنا أن نقف على مفهوم الإضراب فإننا نجده لا يعدو أن يكون معارضة سياسية أو مطالبة بحقوق يزعم أصحابها أنها انتقصت منهم، وإما أن يكون على حق في هذا الإضراب أو يكون على غير ذلك، فإن كانوا على حق فيجب على الحاكم إعطاء هذه الحقوق وإنصاف المظلوم ورفع الظلم عنه ، فإن لم يفعل وجب على الأمة كلها أن تراجعه وتأخذ على يده حتى يعطي الحقوق لأصحابها ، وإن كانوا على الباطل فهناك من المؤسسات القضائية التي يجب أن تكون مستقلة عن سطوة الحاكم وتتسم بالنزاهة والحيدة تحقق مع هؤلاء وتقف على أمرهم فإن كانوا يطالبون بغير حق أو يريدون باطلا عوقبوا بما ينص عليه القانون في هذه المسألة. أما وصف هؤلاء بالخوارج أو المفسدين أو المبتدعين فإن هذه الفتاوى تجاوزها الزمن وسيسجلها التاريج من باب الفكاهة والتندر. إن عهدا غابرا أعدم فيه الأستاذ عبد القادر عودة وهو أول من كتب في التشريع الجنائي المقارن وأصبح كتابه مرجعا للباحثين في العالم كله وأعدم فيه الأستاذ سيد قطب صاحب الظلال الذي لا يتسع أن يتجاوزه مفسر للقرآن الكريم خرجت فتاوى تقول( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ...) وهذا نوع من العبث بكتاب الله وتحريف للكلم عن مواضعه لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم غير أننا لا يفوتنا التنبيه على أن يكون هذا الإضراب إضرابا سلميا لا يعتدي على المنشئات العامة ولا يعتدي على أموال الغير ولا يستعمل العنف ضد الآخرين ويستثنى من هذا الإضراب الأعمال التي يتوقف عليها حياة الإنسان كالأطباء الذين يعالجون المرضى إن كانت حالتهم لا تتحمل وكذلك الخدمات الأخرى كمن يقوم على صناعة الخبز وسيارات الإسعاف وغيرها إلا إن كان هذا الإضراب رمزيا لا يتجاوز بعض الساعات التي لا تتسبب في ضرر الغير . والله أعلم.
Continue Reading...
 

اخوان دار العلوم Copyright © 2009 WoodMag is Designed by Ipietoon for Free Blogger Template

') }else{document.write('') } }